مباشر_ هبة الخولي: مع تسارع خطوات الحكومة المصرية لتنفيذ برنامج الطروحات، وطرح عشرات الشركات في سوق المال تتجه الأنظار إلى دور البورصة في المرحلة المقبلة، ليس فقط كمنصة لطرح أصول الدولة، ولكن كأداة محتملة لتخارج صناديق الاستثمار المباشر.
وفي ظل هذه التحركات، يبرز تساؤل رئيسي: هل يمكن أن تستعيد البورصة المصرية دورها كمسار رئيسي لتخارج الصناديق، بعد سنوات من الاعتماد على البيع لمستثمرين استراتيجيين، خاصة مع تزايد الحاجة إلى تنويع أدوات التخارج، وظهور مؤشرات أولية على إمكانية إعادة توظيف سوق المال في هذا الإطار.
ويرى خبراء أن المشهد الحالي يتجاوز كونه مجرد إعادة هيكلة للأصول الحكومية، إذ يفتح نافذة حقيقية لإعادة إحياء دور البورصة كمنصة تخارج، بما قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمار المباشر في مصر خلال الفترة المقبلة.
كما يتوقعون أن تسهم الطروحات الحكومية، رغم قيادتها من جانب الدولة، في تهيئة بيئة أكثر جاذبية، قد تدفع البورصة للتحول من مجرد منصة تداول إلى أحد أهم مسارات التخارج في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في إطار تسارع برنامج الطروحات الحكومية، المدعوم بتوصيات صندوق النقد الدولي بضرورة توسيع دور القطاع الخاص والتخارج من الأصول المملوكة للدولة.
تشمل الخطة الحالية قيد نحو 20 شركة تابعة لقطاع الأعمال العام مؤقتًا في البورصة، تمهيدًا لطرحها لاحقًا.
وفي هذا السياق، قال هاشم السيد، مساعد رئيس الحكومة والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة بمجلس الوزراء، إن برنامج القيد يسير بوتيرة متسارعة، حيث من المقرر إضافة 4 شركات جديدة قبل منتصف الشهر الجاري، إلى جانب 6 شركات تم قيدها بالفعل، مع استهداف قيد 10 شركات أخرى قبل نهاية النصف الأول من العام، بعد الحصول على الموافقات اللازمة.
وأوضح أن غالبية الشركات الجاري تجهيزها للطرح تمثل إعادة تدوير لمحفظة استثمارات الدولة، التي تمتلك فيها حصصًا تتراوح بين 40% و80%، عبر طرح نسب منها في سوق الأوراق المالية، مؤكدًا أن الصندوق السيادي لا يتدخل في إعادة هيكلة هذه الشركات، بينما يجري العمل في الوقت نفسه على إعادة هيكلة عدد من الشركات المقيدة بالفعل لتحسين كفاءتها التشغيلية ودعم نموها.
وأكد أن هذه الطروحات تمثل محركًا رئيسيًا لتنشيط السوق، من خلال تعزيز السيولة، ورفع التقييمات، وجذب مستثمرين جدد، وهي عوامل تسهم في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتفعيل دور البورصة كأداة تخارج.
كما أشار إلى تفضيله الطرح في البورصة على البيع لمستثمر استراتيجي، لما يوفره من شفافية أعلى في تحديد القيمة العادلة أمام جميع المستثمرين.
هل تمثل الطروحات الحالية تخارجًا للصناديق؟
رغم هذا الزخم، لا تزال غالبية الطروحات الحالية بعيدة عن كونها تخارجًا مباشرًا لصناديق الاستثمار، حيث تتركز في شركات مملوكة للدولة أو يجري إعادة هيكلتها. إلا أن الأهمية الحقيقية لهذه الطروحات تكمن في تأثيرها غير المباشر على السوق، عبر تحسين السيولة ورفع التقييمات، بما يخلق بيئة أكثر جاذبية يمكن للصناديق الاستفادة منها لاحقًا، وفقا للـ «هاشم السيد».
«جورميه»… نموذج عملي لعودة الـIPO
أضاف أن صفقة طرح شركة Gourmet Egypt، المملوكة لصندوق B Investments، برزت كنموذج عملي على استخدام البورصة كأداة تخارج، حيث احتفظ الصندوق بحصة بعد الطرح، في خطوة تعكس الاعتماد على الاكتتاب العام كوسيلة تخارج جزئي توفر سيولة دون التخلي الكامل عن الاستثمار.
ويرى أن هذه الصفقة تمثل إشارة مبكرة على عودة الطروحات العامة كمسار تخارج لصناديق الاستثمار المباشر، بعد فترة من الغياب، خاصة مع تحسن بيئة السوق.
لماذا قد تعود الصناديق إلى البورصة؟
من جانبه، يرى عماد برسوم أن التوقيت الحالي مناسب لإعادة النظر في البورصة كأداة تخارج، في ظل تحسن بيئة السوق، موضحًا أن الطروحات الحكومية ترفع التقييمات وتزيد السيولة، ما ينعكس إيجابًا على فرص التخارج.
وأضاف أن دخول الدولة بكتلة طروحات كبيرة يخلق ما يشبه “إعادة تسعير” للسوق، وهو ما يمنح الصناديق فرصة أفضل للخروج عند تقييمات مناسبة.
في السياق ذاته، أشار محمد عكاشة إلى أن السوق يحظى بدعم قوي من صندوق مصر السيادي وبرنامج الإصلاح الاقتصادي والمؤسسات الدولية، ما يعزز الثقة ويدفع نحو تنويع أدوات التخارج، مؤكدًا أن السوق تقف على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد تشكيل العلاقة بين رأس المال الخاص وسوق المال.
الأدوار بين الدولة والصناديق.. علاقة متكاملة
أضاف أن التطورات الحالية تشير إلى وجود تكامل واضح بين برنامج الطروحات وصناديق الاستثمار، حيث تخلق الدولة زخمًا في السوق من خلال طرح أصولها، بينما يمكن للصناديق استغلال هذا الزخم للتخارج عبر البورصة.
وفي هذا السياق، قال هيثم وجيه إن الطرح في البورصة يتيح التخارج الجزئي بدلًا من الكلي ويوفر مرونة أكبر للصناديق من خلال الاحتفاظ بحصص تحقق عوائد مستقبلية إلى جانب تحقيق سيولة، مؤكدًا أن زيادة عدد الشركات المقيدة تعزز عمق السوق وتفتح شهية المستثمرين.
تحديات تعرقل التحول الكامل
تابع أنه على الرغم من إيجابية المؤشرات إلا أنه لا تزال هناك تحديات أمام تحول البورصة إلى مسار تخارج رئيسي، أبرزها تركز السيولة في عدد محدود من الأسهم، وطول الإجراءات المرتبطة بعمليات الطرح، فضلًا عن حساسية السوق للتقلبات الاقتصادية، وهو ما قد يؤدي إلى تأجيل الطروحات أو خفض التقييمات.
كما لا يزال العديد من الصناديق يفضل البيع لمستثمر استراتيجي، نظرًا لوضوح التقييم وسرعة التنفيذ مقارنة بالطرح في البورصة، التي تتطلب وقتًا وإجراءات أكثر، وفقا لـ «وجيه».
مستقبل التخارج… تحول تدريجي مشروط بالزخم
تابع أن تطوير سوق المال وزيادة قدرته على استيعاب طروحات جديدة قد يدفع نحو تحول تدريجي في سلوك صناديق الاستثمار، لتصبح البورصة خيارًا رئيسيًا للتخارج وليس مجرد بديل ثانوي.
يرى أن هذا التحول يبقى مرهونًا باستمرار نجاح برنامج الطروحات الحكومية، واستقرار الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب قدرة السوق على الحفاظ على مستويات السيولة والجاذبية.
اختتم أنه في جميع الأحوال يظل قرار التخارج في يد مديري الصناديق، الذين يحددون التوقيت والآلية وفق خطط طويلة الأجل تأخذ في الاعتبار طبيعة الاستثمار والظروف السوقية، وهو ما يعني أن البورصة قد لا تصبح خيارًا فوريًا للجميع، لكنها باتت أقرب من أي وقت مضى لاستعادة هذا الدور.